آخر الأخبار

بعد تقرير الأطفال و الأمعاء الخاوية.. شهادات مؤلمة لعائلات لبنانية

ثلث أطفال لبنان باتوا ليلتهم الشهر الماضي بأمعاء خاوية

"لبنان بلد غير مستوفٍ لشروط حياة تلائم الأطفال، غلاء فاحش ومصاريف خيالية لتربية الأولاد، والحل الأنسب الذي يراه الأهل لأولادهم هو بالرحيل عن البلاد". تلك خلاصة شهادات أدلى بها مجموعة من الأهالي لموقع "الحرة" في سياق استطلاعه لتكاليف تربية الأطفال في لبنان ومدى قدرة العائلات على ذلك في ظل الأزمة الاقتصادية الكارثية التي تمر بها البلاد.

خلاصة جاءت مطابقة بالنتيجة لتقرير صدر، يوم أمس الأربعاء، عن منظمة اليونيسف تقول فيه إن "ثلث أطفال لبنان باتوا ليلتهم الشهر الماضي بأمعاء خاوية، وذلك تحت من وطأة أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم في الآونة الأخيرة."

يتراوح مدخول ليال وزوجها علي بين الـ3 ملايين و4 ملايين ليرة لبنانية (ما قيمته اليوم نحو 200 دولار أميركي فيما كان المبلغ يوازي 2500 دولار قبل الانهيار المالي). تؤكد ليال في حديثها لموقع "الحرة"، أن أكثر من نصف معاش زوجها يذهب لتأمين احتياجات طفلتهما البالغة من العمر سنة وشهرين.

الأمر نفسه بالنسبة إلى إبراهيم ونوال، حيث تكلفهم احتياجات ولدهم (الأساسية فقط) نحو مليوني ليرة شهرياً فيما مدخول العائلة لا يتجاوز الـ3 ملايين ونصف في الشهر. وهذه الأرقام قابلة للارتفاع بأي لحظة مع ارتفاع سعر صرف الدولار الذي ينعكس ارتفاعاً على مختلف السلع والخدمات في البلاد، وحاجيات الأطفال ليست استثناءً. 

نموذجان من عائلات لا تزال قادرة على تأمين حاجات أطفالهم الرئيسية ولو "بطلوع الروح" كما يقول ابراهيم، في حين أن 77 بالمئة من الأسر لا تملك ما يكفي من غذاء أو من مال لشرائه. 

وترتفع هذه النسبة بين الأسر السورية اللاجئة في لبنان الى 99 بالمئة. فيما 60 بالمئة من الأسر تضطر الى شراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، وفقا لتقرير اليونيسف.

ماء وسكر عوضاً عن الحليب 

بعد انقطاعه لـ 3 أيام كاملة من الحليب الخاص لعمره، اضطرت رحمة، 29 عاماً، إلى مزج ماء مع سكر وتقديمها لطفلها البالغ من العمر 7 أشهر، ريثما تجد حلّاً للحليب المنقطع في الأسواق، وتكلفته المرتفعة جداً في السوق السوداء للحليب والذي لا يلتزم بأسعار وزارة الصحة اللبنانية في ظل الانقطاع والاحتكار.

تدرك رحمة المخاطر الصحية التي قد تنتج عن ذلك، بحسب ما تؤكد لموقع "الحرة"، "لكني لم أكن أملك حلّاً آخر لولدي الذي يبكي من الجوع، أنا مطلقة واهتم وحيدة بتربية طفلي، وصلت اليوم إلى مرحلة العجز التام أمام متطلباته، كنت أعمل في شركة ملبوسات أجنبية، أغلقت فروعها وغادرت لبنان بعد الأزمة، ومنذ ذلك الوقت وأنا من دون عمل، صرفت تعويضي كاملاً خلال 3 أشهر ومنذ شهرين وأنا اعتمد على مساعدات من أبي ومن مجموعة أصدقاء وكل ما أحصل عليه يذهب مستلزمات لطفلي، منذ 7 أشهر حتى اليوم لم أشتر أي حاجة لنفسي."

ليال وعلي استطاعوا تجميع 20 علبة حليب من أنواع مختلفة ولكن مخصصة لعمره ابنتهم، وذلك في جولاتهم على المحال والصيدليات منذ بداية الأزمة، "لولا ذلك لكنا اليوم في معاناة أكبر. حملنا ذنباً في البداية بسبب فكرة التجميع، لكن بعد كل ما جرى تأكدنا من صوابية خيارنا فالبلد وصل بنا إلى الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة وما كنا لنتحمل ذنب العجز أمام ابنتنا جائعة".

أما إبراهيم ونوال، فقد عانيا من مشكلة تقبل ابنهما لأنواع الحليب المختلفة، تقول نوال إنها "بدلت 3 ماركات من حليب الأطفال لابنها، وكلما كان يعتاد على نوع ينقطع، فيما أنواع أخرى سببت له فطريات في لسانه ومشاكل في الهضم، "حتى وصلنا اليوم إلى ماركات لا تخضع لدعم وزارة الصحة، وليست مخصصة غذائياً للأطفال". 

ومع ذلك تضطر نوال إلى شراء الحليب من السوق السواء عندما تفشل في الحصول على حصة من الحليب المدعوم، ويصل سعر الكيس (900 غرام) إلى حد 240 ألف ليرة لبنانية في السوق السوداء، فيما يباع بسعر 65 ألف إن وجد في السوبرماركت.

وترتفع فاتورة الحليب بالنسبة للأطفال الأصغر عمرا (من صفر إلى 6 أشهر) حيث يكون الاعتماد على الحليب بشكل كامل كمصدر للغذاء، حيث تتضاعف الكمية المطلوبة وتتضاعف معها التكلفة والمعاناة.

الرضاعة الطبيعية.. ليست أقل تكلفة 

تقول رحمة أن طبيبها نصحها باعتماد الرضاعة الطبيعية عوضاً عن الحليب المنقطع والمرتفع الثمن، ومثلها عدد كبير من اللبنانيات اتجهن نحو الرضاعة الطبيعية بناء على نصائح الأطباء والمستشفيات في هذه الأحوال. لكن رحمة اصطدمت بارتفاع تكاليف التغذية لاسيما لناحية اللحوم والفواكه والخضار التي تحتاجها المرضعة بشكل رئيسي كي تحافظ على انتاجها للحليب الطبيعي.

"وهذا الحل قد يكون مناسباً لربة منزل، لكن بالنسبة لي كان هاجساً لكوني أبحث عن عمل وإن حصلت عليه لن يعود بمقدوري متابعة الرضاعة الطبيعية، واستفسرت عن الماكينة الخاصة بتجميع الحليب من الأم تكلفتها باتت 200 دولار أقله."

وتضيف "بعملية حسابية صغيرة اكتشفت أن ما احتاجه من تغذية خاصة كمرضعة في ظل الارتفاع الجنوني بالأسعار، قد يكلف أكثر من الحليب المصنّع، حيث يتجاوز الكيلو الواحد من اللحم 120 ألف ليرة لبنانية (الحد الأدنى للأجور في لبنان 675 ألف ليرة)، أما الخضار والفاكهة فإن حاجة يوم واحد تلامس 100 الف ليرة، وصلنا إلى هذه المرحلة التي نفكر فيها بين تغذيتنا أو تغذية أطفالنا".

الأمر نفسه بالنسبة إلى ليال التي حاولت استبدال الأكل الخاص بالأطفال (الحبوب المطحونة مع الفواكه والفيتامينات) بسلق الفواكه والحبوب في المنزل وتقديمها لابنتها، ومع ذلك فإن تكلفة شراء الفواكه والخضار اللازمة والحبوب الصحية المطلوبة تتخطى تكلفة شراء علبة الطعام الجاهزة التي يحتاج الطفل المعتمد عليها إلى نحو 4 علب اسبوعياً تكلفة الواحدة منها تتخطى 20 ألف ليرة، ما يعني نحو 350 ألف ليرة شهرياً (اكثر من نصف الحد الأدنى للأجور).

ورأت منظمة اليونيسف في تقريرها أن "الأزمات المتتالية التي تضافرت في تكوين الأزمة الكبيرة في لبنان، بما فيها الانهيار الاقتصادي الكامل، أدت الى جعل الأسر والأطفال في حال يرثى لها، وأثرت تقريبا على كل جانب من جوانب حياتهم، وذلك في ظلِ شح الموارد واستحالة الوصول واقعيا الى الدعم الاجتماعي".

ونقل التقرير عن ممثلة اليونيسف في لبنان يوكي موكو تأكيدها أنه "في ظل عدم وجود تحسن في الأفق، المزيد من الأطفال يذهبون إلى فراشهم ببطون خاوية. تتأثر صحة الأطفال ومستوى تعليمهم وكل مستقبلهم، فالأسعار تحلق في شكل هائل ونسبة البطالة تستمر في الارتفاع. ويزداد عدد الأسر في لبنان التي تضطر الى اتخاذ تدابير التأقلم السلبية لتتمكن من الصمود، كإلغاء بعض وجبات الطعام توفيرا لثمنها أو إرسال أطفالهم الى العمل، يكون غالبا في ظروف عمل خطيرة، أو اللجوء الى تزويج بناتهم القاصرات، أو بيع ممتلكاتهم".

الحفاضات أكبر المصاريف 

 رحمة عملت بنصيحة والدتها، واشترت حفاضات قطنية قابلة للغسيل تستخدم مرات متعددة، تقول إنها حاولت خلال أول شهرين أن تعتمد على الحفاضات المتوفرة في السوق، "توجهت إلى الخيارات والماركات المعروفة في لبنان، بات كيس الحفاضات الواحد منها يتراوح بين 200  و 250 ألف ليرة لبنانية، كان يحتاج في حينها إلى كيسين اسبوعياً، ولك أن تتخيل أن حوالي نصف ربع تعويضي صرف على الحفاضات في شهرين فقط، إلى أن وصلت إلى مرحلة العجز فاشتريت الحفاضات القابلة للغسل من أجل التوفير، وبذلك عدنا إلى أساليب أجدادنا، حتى أهلنا لم يستخدموا هذه الخيارات في زمنهم."

نوال وليال اختارتا التوجه نحو بدائل أرخص، "الحفاضات السورية متوفرة بسعر 85 ألف للكيس الواحد، يحتاج الولد بعمر السنة إلى السنة ونص من 3 إلى 4 أكياس شهرياً حسب كل طفل، ما يعني أن البديل الأرخص يكلف اليوم نحو 350 ألف ليرة شهرياً، مضاف إليها المخاطرة الصحية الناتجة عن النوعية السيئة للحفاضات المصنوعة من مواد نايلون وليست قطنية، تسبب تحسسا وتسلخات بشكل كبير، وما نوفره بالحفاضات ندفعه على الأدوية اللازمة للعلاج بعدها."

 وإلى جانب الحفاضات، تأتي المناديل المعقمة الخاصة بالأطفال، والتي باتت تمثل مصروفاً يحسب حسابه هو الآخر، لاسيما وأن علبة المناديل الخاصة بالأطفال والتي ينصح بها طبياً باتت تتجاوز 60 الف ليرة ويحتاج الطفل إلى 3 علب شهرياً بالحد الأدنى، أما تلك المقبولة من حيث النوعية فتتراوح بين 20 و25 الف ليرة للعلبة، وكل ما هو أقل من ذلك هي عبارة عن مناديل معطرة مخصصة للكبار وليس للأطفال لكن كثير من العائلات يلجأ إليها بسبب انخفاض سعرها (نحو 15 الف ليرة)، وهو ما دفع نوال لاعتماد "التشطيف بالماء" عوضاً عن المناديل من أجل التوفير.

الرعاية الصحية في أسوأ حالاتها 

ويتابع التقرير مشيراً في المسح الذي أجرته المنظمة إلى أن 30 في المئة من الأطفال في لبنان لا يتلقون الرعاية الصحية الأولية التي يحتاجون إليها. فيما أعربت 76 في المئة من الأسر عن تأثرها الكبير بالزيادة الهائلة في أسعار الأدوية.

نوال تبحث عن طعم لولدها منذ أسبوعين، وهو ما يفترض أن يكون مجانياً ومؤمنا من قبل الدولة اللبنانية، لكنها لا تجد مركزا صحياً يتوفر فيه، فيما يتوفر بسهولة في العيادات الخاصة للأطباء بالتكلفة الكاملة التي تتراوح بين 100 ألف ليرة و350 ألف ليرة حسب نوعية الطعم، بالإضافة إلى أجرة الطبيب التي تبدأ اليوم من 100 ألف ليرة لبنانية.

"الطعم يكلف معاشاً شهرياً اليوم، لا زلت أحاول الحصول عليه بالتكلفة الأدنى، ولكنني قد اضطر إلى دفع المبلغ كله بسبب نفاذ الوقت فالتطعيم للأطفال يرتبط بالمرحلة العمرية حيث لا يمكننا التأخر عن الطعم بعد العمر المحدد لكل واحد، المشكلة انهم يوزعون 50 طعم على مركز يقدم خدمات صحية لأكثر من 300 طفل، فيتحول الاستحصال على طعم مجاني إلى رحلة إذلال وانتظار ووساطات ومحاصصات."

الفيتامينات مقطوعة تماماً والأطباء باتوا ينصحون الأهل باستخدام أي نوع من الفيتامينات يمكنهم الحصول عليها، بسبب النقص الحاد في الأسواق وعدم توفر البدائل، بحسب ما تنقل ليال عن طبيب ابنتها. "أما الأدوية فالمصيبة الأكبر، معظم حاجات الأولاد الأساسية مسجلة في خانة الكماليات لدى وزارة الصحة والجهات الضامنة في لبنان وبالتالي لا يشملهم الدعم الرسمي، اشتريت بالأمس عبوة كريم للتسلخات الجلدية التي يعاني منها كل الأطفال في الصيف خصوصاً، العبوة الواحدة بـ100 ألف ليرة."

إبراهيم أيضاً يعاني ولده من حساسية مفرطة تجاه لسعات البعوض، ما يجبره على شراء بخاخات للجسم لإبعاد البعوض وتخفيف التهاب اللسعات، تكلف الواحدة 85 ألف ليرة ويحتاج إلى 2 شهرياً.