وكالات
لا تزال قضية العلاقات بين السعودية وجارتها البحرين من جهة مع إيران من جهة أخرى موضع نقاش خلال عهد الرئيس المنتخب، إبراهيم رئيسي، خصوصا في ظل رغبة الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض إنقاذ الاتفاق النووي المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة".
وبينما رحب رئيسي عقب انتخابه بالانفتاح على العلاقات مع دول الخليج، قال وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إن "تعامل المملكة مع إيران سيعتمد بناءً على الوقائع في أرض الواقع"، مشيرا إلى أن خامنئي هو صاحب القول الفصل في إدارة البلاد.
وفي تطور لافت بعد انتخاب رجل الدين المتشدد إبراهيم رئيسي، رئيسا لإيران، في وقت سابق من الشهر الحالي، أعلنت البحرين أنها ملتزمة بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وجاء بيان وزارة الخارجية البحرينية ردا على إطلاق حقوقي وعضو سابق في مجلس الشورى، لجنة دولية باسم "عدالة"، تهدف لملاحقة الرئيس الإيراني المنتخب بتهم انتهاكات حقوق الإنسان، حيث تعد اللغة الهادئة في البيان البحريني امتدادا لتصريحات ولي العهد السعودي الأخيرة بشأن إيران.
وقالت الخارجية البحرينية في البيان الذي وُصف بـ "الإيجابي"، إن "تشكيل لجنة دولية باسم "عدالة" للتحقيق في جرائم حقوق الإنسان في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يمثل السياسة البحرينية الثابتة الملتزمة بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى"، طبقا لما نقلته وكالة أنباء البحرين الرسمية (بنا).
في هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي، إبراهيم النهام، أن المنامة "لا تستعدي إيران أو غيرها من الدول، والتاريخ الدبلوماسي البحريني الرصين شاهد على ذلك ... رغم التدخل الإيرانية في شؤون البحرين"، على حد قوله.
وبالرغم من بيان المنامة، يقول النهام لموقع قناة "الحرة" إنه "لا توجد حاليا أي مؤشرات بعودة العلاقات البحرينية الإيرانية باعتبار أن نهج طهران التأزيمي وتدخلها في دول المنطقة لم يتغير رغم تعاقب الرؤساء. كانت طهران مصدر أزمات متنوعة في البحرين، بما في ذلك قضايا المخدرات".
وقبل يومين، أعلنت السلطات البحرينية أن إيران تعد المصدر الرئيسي لتهريب المخدرات إلى البحرين، مشيرة إلى أن "تجاوز كمية المضبوطات في قضايا تهريب المواد المخدرة، والتي مصدرها إيران، خلال الفترة من 2007 وحتى 2021 حوالى 3 أطنان واثنين وسبعين كيلو جراما من المواد المخدرة بمختلف أنواعها"، بحسب ما نقلته الوكالة البحرينية الرسمية.
كما تتهم البحرين مرارا، إيران، بالتدخل في شؤونها الداخلية وإثارة استقرار الجزيرة الخليجية التي شهدت احتجاجات قادها معارضون شيعة في العام 2011 على هامش الربيع العربي. لكن طهران تنفي ذلك بشدة.
وأشار النهام إلى أن المنامة "لا تحلق خارج السرب ... وعلاقاتها المستقبلية بإيران مرهونة بالدرجة الأولى بالتغيير الجذري في السياسات الخارجية وبضمانات دولية".
ولفت بأن "تعاقب الرؤساء الإيرانيين لا يعني شيئا ... الرئيس ما هو إلا أداة في يد المرشد الأعلى صاحب القرار الأول والأخير".
قطعت البحرين علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في يناير 2016 بعد قرار مماثل من حليفتها الكبرى السعودية وذلك ردا على هجوم على سفارة الرياض لدى طهران وقنصليتها بمدينة مشهد من قبل إيرانيين محتجين على إعدام السلطات السعودية لرجل الدين الشيعي البارز نمر النمر.
"ثقة منعدمة"
وقبل أسابيع من بيان البحرين الأخير بشأن احترام الشؤون الداخلية لطهران، كان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، خفف الحدة المعتادة في التصريحات السعودية تجاه إيران وهي الخصم الإقليمي الأهم والتي تملك نفوذا في سوريا واليمن عبر جماعات مسلحة موالية لها.
وقال محمد بن سلمان إن "إيران دولة جارة ونطمح أن يكون لدينا علاقة مميزة معها. لا نريد أن يكون وضع إيران صعبا، بل على العكس نريدها أن تكون مزدهرة وتنمو".
ويتفق أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، الدكتور عبدالله العساف، مع النهام في الرأي، بقوله إن الرئيس الإيراني لا يعدو كونه سكرتير تنفيذي للمرشد الأعلى.
يوضع العساف لموقع "الحرة" بقوله إن النظام السياسي في إيران "لا يستمد مشروعيته من المجتمع بكامل أطيافه باعتبار وجود نسيج مذهبي غير متجانس تتفرد فيه طبقة دينية وعرقية بكامل النفوذ" ما يجعل "المحافظ أو الإصلاحي جزءا من نظام ولاية الفقيه".
لكن العساف لا يرجح حصول تقارب بين الرياض وطهران قريبا، قائلا: "عطفا على تاريخ إبراهيم رئيسي المتشدد ... لا أعتقد أن المفاوضات الإيرانية السعودية سوف تحرز تقدما، بل إن السياسية الخارجية الإيرانية تجاه الإقليم ستصبح أكثر تشددا".
في وقت سابق من الشهر الحالي، انتخب رئيسي من الجولة الأولى في الانتخابات الرئاسية الإيرانية كما كان متوقعا بعد حصوله على أكثر من 17 مليون صوت بفارق واسع عن بقية منافسيه في استحقاق شهد أدنى نسبة مشاركة في تاريخ البلاد منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وقال العساف: "وصول رئيسي للحكم يغلق أبواب التفاؤل ويعيد الجميع للمربع الأول ولا ننسى ما قام به الذراع الإيراني في اليمن بعد إعلان فوز رئيسي في الانتخابات بالهجوم المكثف على السعودية بالطائرات المفخخة في ليلة واحدة للتعبير عن استمرار النهج الإيراني في اليمن ولكن بشكل أكثر تطرفا وإرهابا".
وتقود السعودية تحالفا عسكريا منذ العام 2015 لإعادة الحكومة الشرعية في اليمن بعد أن سيطر المتمردون الحوثيون الموالون لإيران على أجزاء متفرقة من البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء. وتنفذ جماعة الحوثي التي رفعتها الإدارة الأميركية من قائمة الإرهاب، هجمات متكررة ضد مدن متفرقة من المملكة.
وفي أبريل الماضي، بدأت السعودية وإيران حوارا مباشرا احتضنه العراق في محاولة لاحتواء التوتر بين البلدين على صعيد العلاقات الدبلوماسية والملف اليمني، إذ جاء الحوار بالتزامن مع بدء المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في فيينا لاستعادة الاتفاق النووي المبرم عام 2015، وهو الاتفاق الذي ترفضه دول الخليج.
من جهته، يقول المحلل السياسي، مبارك آل عاتي، إن "اجتماعات بغداد إيجابية ولقت ترحيبا واسعا في المنطقة وتعبر عن رغبة الطرفين في الاقتراب من بعضهما وتحقيق تفاهم لوضع خلافاتهما السابقة جانبا وبدء فصل جديد من التعاون عبر حوار حقيقي وشفاف".
ويرى آل عاتي في حديثه لموقع "الحرة" إن "ذلك يتطلب مزيد من الوقت وخطوات شجاعة أولها ترك الخلافات والتسامي عليها ثم البحث عن مشتركات والبناء عليها وعدم الارتهان إلى واقع الحال وإدراك أن أي تقارب بين البلدين حدثا سيكون مكان ترقب دولي".
وأشار إلى أن علاقات البلدين ينظر إليه على أنه "خلاف تاريخي تحول إلى صراع في مفاصل كثيرة وأنتج علاقات معقدة أثرت عليهما وعلى محيطهما".
من جانبه، يقول العساف إن "الثقة منعدمة في النظام الإيراني ودعواته المتكررة للتصالح مع السعودية أصبحت مكررة ولا تحمل قيمة ... فالخلاف مع إيران خلاف استراتيجي تراه الرياض خلاف وجود وتنظر له طهران بأنه نفوذ مشروع ومستحق وغير قابل للتفاوض".
ويعتقد آل عاتي إن "الرياض ستراقب خطوات وأفعال طهران على الميدان السياسي وفي المنطقة لتقيم جدية الإيرانيين في إحداث تقدم على مستوى الخطوات السياسية لتحقيق تقارب في وجهات نظر البلدين".
وفي سؤال بشأن ممارسة الإدارة الاميركية ضغوطا على السعودية والبحرين لإعادة العلاقات مع إيران، أجاب النهام قائلا: "دولة بثقل السعودية ومعها البحرين لا يمكن لهما أن الاستجابة لأي ضغوطات أو إملاءات خارجية، لكن الرياض والمنامة بالتأكيد تراقبان الوضع الإقليمي والدولي بنظرة فاحصة".